علي بن أحمد المهائمي

151

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

تناهيها ، ( وثنى ) بجعل صورته الظاهرة مثلا له أي : مناسبا له لا متحدا معه بالنوع ، فإنه محال ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الإسراء : 1 ] ، فنزه ) بصيغة الحصر الدال على نفي السمع والبصر عن غيره ، ( وأفرد ) بأن كل سمع وبصر في الحقيقة راجع إلى سمعه وبصره ؛ فسمع الحوادث وبصرها كصور المرآة لا حقيقة لها سوى ذي الصورة ففهم كل من التنزيه والتشبيه ، مما فهم منه الآخر بعد فهم كل منهما على حدة . [ فلو أنّ نوحا عليه السّلام جمع لقومه بين الدّعوتين لأجابوه فدعاهم جهارا ثمّ دعاهم إسرارا ثمّ قال لهم : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] ، وقال : دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ( 5 ) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [ نوح : 5 ، 6 ] ، وذكر عن قومه أنّهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ، فعلم العلماء باللّه ما أشار إليه نوح عليه السّلام في حقّ قومه من الثّناء عليهم بلسان الذّم ، وعلم أنّهم إنّما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان ، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه ، فإنّ القران يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمّن القرآن ، ولهذا ما اختصّ بالقرآن إلّا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وهذه الأمّة الّتي هي خير أمّة أخرجت للنّاس ، فقال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ؛ فجمع الأمرين في أمر واحد ] . ثم أشار إلى أن أحدية الجمع والفرق بين التنزيه والتشبيه مخصوصة بالكمال المحمدي لم تكن في دعوة نوح عليه السّلام بل كان في دعوته التفرقة لفظا بإيراد كل منهما في ألفاظ مختلفة فقال : ( لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين ) التنزيه والتشبيه في لفظ واحد ( لأجابوه ) ؛ لأنها بقوة نوريتها كانت تجذب أرواحهم عن متابعة النفوس برفع الحجب الظلمانية عنها إلى ما فاضت هي منه فتتبعها النفوس لكن غلب عليهم ظلمة نفوسهم عند كون دعوته تفريقية في اللفظ فجذبتهم ظلمتها إلى السفل الذي هو مقرها ( فدعاهم جهارا ) من حيث التشبيه لما فيه من مناسبتهم على ما هو عادة المناظرين في إرخاء العنان مع الخصوم في بعض المقدمات هي ليستدرجوهم بذلك إلى مطالبهم ، ( ثم دعاهم إسرارا ) من حيث التنزيه لما رآهم يصرون على الكفر عند الدعوة التشبيهية . ( ثم قال : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [ نوح : 10 ] ) ، أي : اطلبوا منه ستر ظلمات نفوسكم ( إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] ) ، إن طلبتم منه ذلك ليتيسر لأرواحكم الصعود إلى ما فاضت هي منه . ثم أشار إلى تفرقة أخرى في دعوته بين الظاهر والباطن ؛ فقال : ( وقال : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا [ نوح : 5 ] ) ، أي : إلى الباطن من حيث ظهوره في العقول والأرواح